الذكاء الاصطناعي والمحاماة- تكامل لا استبدال، مستقبل المهنة في الابتكار
المؤلف: فراس طرابلسي08.29.2025

يشهد العالم تحولًا تقنيًا هائلًا، ورغم أنه لا يصاحبه ضجيج إعلامي أو إعلانات مبهرجة، إلا أنه يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالعمل بصورة جذرية. وفي خضم هذه التغيرات المتسارعة، تجد مهنة المحاماة نفسها أمام اختبار وجودي حقيقي، لا يتعلق بمدى أهميتها، بل بقدرتها الفائقة على التكيف مع أدوات العصر الحديثة ومفاهيمه المستجدة.
ففي ظل إعلان كبرى الشركات العالمية عن مبادرات واسعة النطاق لتقليص أعداد الموظفين واستبدالهم بنماذج الذكاء الاصطناعي المتطورة، بدأت الأسئلة التي كانت تهمس بها شفاه الطلاب في أروقة الجامعات والمعاهد المتخصصة، تتردد الآن بأصوات جلية وواضحة: هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل المحامي؟ وهل ستحافظ المهنة على جوهرها وهويتها التي نعرفها؟
إن التقارير الرسمية الصادرة عن مؤسسات عملاقة من أمثال «فورد»، و«جي بي مورغان»، و«أمازون»، و«Anthropic» لا تخفي توجهاتها المستقبلية، بل تعلنها بكل صراحة ووضوح: ربما يتم استبدال نصف الموظفين بالآلات الذكية، والوظائف التقليدية، حتى تلك التي تتطلب مهارات تحليلية متقدمة، لم تعد بمنأى عن هذا التحول. ولم يعد الحديث مقتصرًا على المصانع والورش فحسب، بل يشمل أيضًا المكاتب الإدارية، وكتابة المذكرات القانونية، والتحليلات المالية والقانونية المعقدة على حد سواء.
ومن الجدير بالاهتمام أن بعض رواد التكنولوجيا أنفسهم بدأوا يدقون ناقوس الخطر، محذرين من التداعيات المحتملة لهذه الثورة الصناعية الرابعة. ففي تصريح مدوٍ لرئيس شركة «Anthropic»، صرح قائلًا بوضوح أن «نصف الوظائف المبتدئة في أمريكا ستختفي خلال السنوات الخمس القادمة»، محذرًا من موجة بطالة لم يشهدها العالم الحديث منذ عقود طويلة.
ولعل من الإشارات الإيجابية في هذا السياق، أن معالي وزير العدل السعودي، والذي يشغل أيضًا منصب رئيس مجلس إدارة الهيئة السعودية للمحامين، تطرق إلى هذا التساؤل المحوري بصراحة وشفافية نادرتين خلال فعاليات مؤتمر المحاماة لعام 2024، حيث أكد أن الذكاء الاصطناعي لن يحل محل المحامين، بل سيعمل على تعزيز كفاءتهم وقدراتهم المهنية. وأضاف، في رد يحمل بعدًا تربويًا قيمًا، أن من يتوهم أن جهازًا ما أو تقنية متطورة قادرة على استبداله كمحام، فربما عليه إعادة النظر في خياراته المهنية من الأساس.
إلا أن هذا التصريح، على الرغم من أهميته البالغة، لا يعفي القطاع القانوني من مسؤولية الاستعداد الأمثل لهذا التحول القادم. فالمسألة لا تكمن في مجرد إحلال الذكاء الاصطناعي «مكان» المحامي، بل في قدرة المحامي على التخلي عن الأدوات التقليدية التي كان يعتمد عليها قبل ظهور الذكاء الاصطناعي، في الوقت الذي تتحرك فيه البيئة المحيطة به بسرعة فائقة تفوق القدرة على الاستيعاب.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في الذكاء الاصطناعي ذاته، بل في التمسك بالأساليب التقليدية البالية. فمن غير المقبول أن يصر بعض الممارسين على القيام بأدوار روتينية مملة يمكن للآلة أن تؤديها بدقة متناهية وسرعة فائقة، مثل: تلخيص النصوص القانونية، وتنسيق الوثائق، والتحرير اللغوي، وكتابة التقارير المتكررة... بينما تتراجع القدرة على التحليل المتعمق، وبناء الاستراتيجيات القانونية المحكمة، وفهم السياق الاجتماعي والتشريعي المعقد للنزاعات.
إن ما يجب أن يحدث الآن ليس الصدام العقيم مع الذكاء الاصطناعي، بل التكامل الذكي والفعال معه، من خلال تبني مسارات استباقية يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
• دمج الذكاء الاصطناعي القانوني ضمن المناهج الدراسية لكليات القانون، ليس كمادة تقنية إضافية، بل كأداة مهنية أساسية تمس جوهر التدريب القانوني والتفكير التحليلي النقدي.
• تطوير برامج تدريبية إلزامية ومستمرة للمحامين، تمكنهم من استخدام أدوات العصر الرقمي بكفاءة وفاعلية، على غرار ما يتم تطبيقه في كبرى الأسواق القانونية المتقدمة حول العالم.
• استحداث شهادة مهنية وطنية مرموقة تحت إشراف الهيئة السعودية للمحامين، تُمنح للمحامي أو المستشار القانوني الذي يتقن أساسيات التعامل مع الذكاء الاصطناعي في القضايا القانونية المختلفة، وصياغة العقود، وتقديم المشاريع الاستشارية المتنوعة، ويُشترط للحصول على هذه الشهادة اجتياز برنامج معتمد يشمل مفاهيم الامتثال الرقمي، وأدوات البحث الذكي، وأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات القانونية المعقدة. وستكون هذه الشهادة بمثابة معيار للجودة والاحترافية المستقبلية في السوق القانوني.
• إعادة تصنيف المحامين وفقًا لمعايير كفاءة جديدة تشمل القدرة على التحليل العميق، والتمكن من استخدام الأدوات التقنية الحديثة، وسرعة إنجاز المهام، وليس فقط سنوات الخبرة الطويلة أو المزاولة التقليدية للمهنة.
• تشجيع مكاتب المحاماة على التحول من النمط الفردي التقليدي إلى النموذج المؤسسي الذكي، ولا يعني ذلك بالضرورة تأسيس شركات قانونية عملاقة أو توظيف العشرات من الموظفين، بل يكفي اعتماد نموذج إداري احترافي متكامل يتضمن:
• حوكمة داخلية واضحة المعالم (تحديد المهام، وتنظيم الملفات، وتحديد تسلسل المسؤوليات بوضوح).
• استخدام أدوات إدارة القضايا والعقود بشكل رقمي متكامل.
• بناء منصات داخلية بسيطة لتنظيم سير العمل ومتابعة العملاء بكفاءة.
• تخصيص مسارات تقنية محددة لإدخال الذكاء الاصطناعي في عمليات الصياغة والمراجعة القانونية.
• وضع خطة تطوير سنوية شاملة لكل عضو في الفريق، تشمل التدريب المستمر، والأتمتة الذكية، والتحليل المتعمق.
ومما لا شك فيه أن مهنة المحاماة لن تنقرض أو يتقلص دور العقل البشري في ممارستها. ولكنها ستشهد تحولات جذرية. ولن يبقى ممارسًا لها إلا من يتقن التعامل مع «الخوارزميات» الذكية، وليس من يجيد التعامل مع «الأوراق» التقليدية فحسب. فالعدالة لطالما اعتمدت على الإنسان، ولكنها في هذا العصر الرقمي ستعتمد على الإنسان الذكي المتمكن من استخدام أدوات العصر الحديث ببراعة ومهارة.
ولعل من المناسب في هذا السياق أن يتم دراسة مقترح استحداث رخصة مهنية تقنية للممارسين القانونيين بشكل موضوعي وعميق، بهدف تعزيز مكانة المحامي في السوق التنافسي، وإعادة رسم خريطة التميز في هذه المهنة النبيلة.
ففي ظل إعلان كبرى الشركات العالمية عن مبادرات واسعة النطاق لتقليص أعداد الموظفين واستبدالهم بنماذج الذكاء الاصطناعي المتطورة، بدأت الأسئلة التي كانت تهمس بها شفاه الطلاب في أروقة الجامعات والمعاهد المتخصصة، تتردد الآن بأصوات جلية وواضحة: هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل المحامي؟ وهل ستحافظ المهنة على جوهرها وهويتها التي نعرفها؟
إن التقارير الرسمية الصادرة عن مؤسسات عملاقة من أمثال «فورد»، و«جي بي مورغان»، و«أمازون»، و«Anthropic» لا تخفي توجهاتها المستقبلية، بل تعلنها بكل صراحة ووضوح: ربما يتم استبدال نصف الموظفين بالآلات الذكية، والوظائف التقليدية، حتى تلك التي تتطلب مهارات تحليلية متقدمة، لم تعد بمنأى عن هذا التحول. ولم يعد الحديث مقتصرًا على المصانع والورش فحسب، بل يشمل أيضًا المكاتب الإدارية، وكتابة المذكرات القانونية، والتحليلات المالية والقانونية المعقدة على حد سواء.
ومن الجدير بالاهتمام أن بعض رواد التكنولوجيا أنفسهم بدأوا يدقون ناقوس الخطر، محذرين من التداعيات المحتملة لهذه الثورة الصناعية الرابعة. ففي تصريح مدوٍ لرئيس شركة «Anthropic»، صرح قائلًا بوضوح أن «نصف الوظائف المبتدئة في أمريكا ستختفي خلال السنوات الخمس القادمة»، محذرًا من موجة بطالة لم يشهدها العالم الحديث منذ عقود طويلة.
ولعل من الإشارات الإيجابية في هذا السياق، أن معالي وزير العدل السعودي، والذي يشغل أيضًا منصب رئيس مجلس إدارة الهيئة السعودية للمحامين، تطرق إلى هذا التساؤل المحوري بصراحة وشفافية نادرتين خلال فعاليات مؤتمر المحاماة لعام 2024، حيث أكد أن الذكاء الاصطناعي لن يحل محل المحامين، بل سيعمل على تعزيز كفاءتهم وقدراتهم المهنية. وأضاف، في رد يحمل بعدًا تربويًا قيمًا، أن من يتوهم أن جهازًا ما أو تقنية متطورة قادرة على استبداله كمحام، فربما عليه إعادة النظر في خياراته المهنية من الأساس.
إلا أن هذا التصريح، على الرغم من أهميته البالغة، لا يعفي القطاع القانوني من مسؤولية الاستعداد الأمثل لهذا التحول القادم. فالمسألة لا تكمن في مجرد إحلال الذكاء الاصطناعي «مكان» المحامي، بل في قدرة المحامي على التخلي عن الأدوات التقليدية التي كان يعتمد عليها قبل ظهور الذكاء الاصطناعي، في الوقت الذي تتحرك فيه البيئة المحيطة به بسرعة فائقة تفوق القدرة على الاستيعاب.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في الذكاء الاصطناعي ذاته، بل في التمسك بالأساليب التقليدية البالية. فمن غير المقبول أن يصر بعض الممارسين على القيام بأدوار روتينية مملة يمكن للآلة أن تؤديها بدقة متناهية وسرعة فائقة، مثل: تلخيص النصوص القانونية، وتنسيق الوثائق، والتحرير اللغوي، وكتابة التقارير المتكررة... بينما تتراجع القدرة على التحليل المتعمق، وبناء الاستراتيجيات القانونية المحكمة، وفهم السياق الاجتماعي والتشريعي المعقد للنزاعات.
إن ما يجب أن يحدث الآن ليس الصدام العقيم مع الذكاء الاصطناعي، بل التكامل الذكي والفعال معه، من خلال تبني مسارات استباقية يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
• دمج الذكاء الاصطناعي القانوني ضمن المناهج الدراسية لكليات القانون، ليس كمادة تقنية إضافية، بل كأداة مهنية أساسية تمس جوهر التدريب القانوني والتفكير التحليلي النقدي.
• تطوير برامج تدريبية إلزامية ومستمرة للمحامين، تمكنهم من استخدام أدوات العصر الرقمي بكفاءة وفاعلية، على غرار ما يتم تطبيقه في كبرى الأسواق القانونية المتقدمة حول العالم.
• استحداث شهادة مهنية وطنية مرموقة تحت إشراف الهيئة السعودية للمحامين، تُمنح للمحامي أو المستشار القانوني الذي يتقن أساسيات التعامل مع الذكاء الاصطناعي في القضايا القانونية المختلفة، وصياغة العقود، وتقديم المشاريع الاستشارية المتنوعة، ويُشترط للحصول على هذه الشهادة اجتياز برنامج معتمد يشمل مفاهيم الامتثال الرقمي، وأدوات البحث الذكي، وأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات القانونية المعقدة. وستكون هذه الشهادة بمثابة معيار للجودة والاحترافية المستقبلية في السوق القانوني.
• إعادة تصنيف المحامين وفقًا لمعايير كفاءة جديدة تشمل القدرة على التحليل العميق، والتمكن من استخدام الأدوات التقنية الحديثة، وسرعة إنجاز المهام، وليس فقط سنوات الخبرة الطويلة أو المزاولة التقليدية للمهنة.
• تشجيع مكاتب المحاماة على التحول من النمط الفردي التقليدي إلى النموذج المؤسسي الذكي، ولا يعني ذلك بالضرورة تأسيس شركات قانونية عملاقة أو توظيف العشرات من الموظفين، بل يكفي اعتماد نموذج إداري احترافي متكامل يتضمن:
• حوكمة داخلية واضحة المعالم (تحديد المهام، وتنظيم الملفات، وتحديد تسلسل المسؤوليات بوضوح).
• استخدام أدوات إدارة القضايا والعقود بشكل رقمي متكامل.
• بناء منصات داخلية بسيطة لتنظيم سير العمل ومتابعة العملاء بكفاءة.
• تخصيص مسارات تقنية محددة لإدخال الذكاء الاصطناعي في عمليات الصياغة والمراجعة القانونية.
• وضع خطة تطوير سنوية شاملة لكل عضو في الفريق، تشمل التدريب المستمر، والأتمتة الذكية، والتحليل المتعمق.
ومما لا شك فيه أن مهنة المحاماة لن تنقرض أو يتقلص دور العقل البشري في ممارستها. ولكنها ستشهد تحولات جذرية. ولن يبقى ممارسًا لها إلا من يتقن التعامل مع «الخوارزميات» الذكية، وليس من يجيد التعامل مع «الأوراق» التقليدية فحسب. فالعدالة لطالما اعتمدت على الإنسان، ولكنها في هذا العصر الرقمي ستعتمد على الإنسان الذكي المتمكن من استخدام أدوات العصر الحديث ببراعة ومهارة.
ولعل من المناسب في هذا السياق أن يتم دراسة مقترح استحداث رخصة مهنية تقنية للممارسين القانونيين بشكل موضوعي وعميق، بهدف تعزيز مكانة المحامي في السوق التنافسي، وإعادة رسم خريطة التميز في هذه المهنة النبيلة.